سيد محمد طنطاوي
49
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وتنكير لفظ * ( طائِفٌ ) * للتهويل . و * ( مِنْ ) * في قوله * ( مِنْ رَبِّكَ ) * للابتداء ، والتقييد بكونه من الرب - عز وجل - لإفادة أنه بلاء لا قبل لأحد من الخلق بدفعه . قال القرطبي : في هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان ، لأنهم عزموا على أن يفعلوا ، فعوقبوا قبل فعلهم . ومثله قوله - تعالى - : ومَنْ يُرِدْ فِيه بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْه مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ . وفي الحديث الصحيح : « إذا التقى المسلمان بسيفيهما ، فالقاتل والمقتول في النار . قيل : يا رسول اللَّه ، هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه » . . « 1 » . ثم يصور - سبحانه - أحاسيسهم وحركاتهم ، وقد خرجوا لينفذوا ما عزموا عليه من سوء . . فيقول : * ( فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ ) * أي : فنادى بعضهم بعضا في وقت الصباح المبكر ، حتى لا يراهم أحد . فقالوا في تناديهم : * ( أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ) * أي : قال بعضهم لبعض : هيا بنا لنذهب إلى بستاننا لكي نقطع ما فيه من ثمار في هذا الوقت المبكر ، حتى لا يرانا أحد ، إذ الغدو هو الخروج إلى المكان في غدوة النهار . أي : في أوله . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا قيل : اغدوا إلى حرثكم ، وما معنى « على » ؟ . قلت : لما كان الغدو إليه ليصرموه ويقطعوه : كان غدوا عليه ، كما تقول : غدا عليهم العدو . ويجوز أن يضمن الغدو معنى الإقبال ، كقولهم : يغدى عليه بالجفنة ويراح . أي : فأقبلوا على حرثكم باكرين . . « 2 » . وجواب الشرط في قوله : * ( إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ) * محذوف لدلالة ما قبله عليه . أي : إن كنتم صارمين فاغدوا * ( فَانْطَلَقُوا وهُمْ يَتَخافَتُونَ ) * أي : فانطلقوا مسرعين نحو جنتهم وهم يتسارّون فيما بينهم ، إذ التخافت : تفاعل من خفت فلان في كلامه ، إذا نطق به بصوت منخفض لا يكاد يسمع . وجملة : * ( أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ) * مفسرة لما قبلها لأن التخافت فيه معنى القول دون حروفه أي : انطلقوا يتخافتون وهم يقولون فيما بينهم : احذروا أن يدخل جنتكم اليوم وأنتم تقطعون ثمارها أحد من المساكين .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 18 ص 241 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 590 .